النويري
347
نهاية الأرب في فنون الأدب
لقد وجدت الموت قبل ذوقه إنّ الجبان حتفه من فوقه « 1 » كلّ امرئ مجاهد بطوقه كالثّور يحمى جلده بروقه « 2 » فقلت : واللَّه ما يدرى عامر ما يقول ؛ قالت : وكان بلال إذا تركته الحمّى اضطجع بفناء البيت ، ثم يرفع عقيرته « 3 » فيقول : ألا البيت شعري هل أبيتنّ ليلة بفجّ « 4 » وحولى إذخر « 5 » وجليل « 6 » وهل أردن يوما مياه مجنّة « 7 » وهل يبدون لي شامة « 8 » وطفيل قالت عائشة : فذكرت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ما سمعت منهم ، فقلت : إنهم ليهذون ، وما يعقلون من شدّة الحمى ، فقال : « اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشدّ ، وبارك لنا في مدّها وصاعها ، وانقل وباءها إلى مهيعة » ؛ وهى الحجفة . ذكر مؤاخاة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كان ذلك بعد مقدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ؛ روى محمد بن سعد عن الزهرىّ وغيره قال : لما قدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض ، وآخى بين المهاجرين والأنصار ، آخى بينهم على الحقّ والمواساة ، يتوارثون بعد الممات دون ذوى الأرحام ، وكانوا تسعين رجلا ؛ خمسة
--> « 1 » الحتف : الهلاك . « 2 » الروق : القرن . « 3 » عقيرته : صوته . « 4 » فج : موضع خارج مكة فيه ماء اغتسل فيه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو محرم . « 5 » الإذخر : من نبات مكة طيب الرائحة . « 6 » الجليل : هو الثمام . « 7 » مجنة ، بكسر الميم وبفتحها وهو الأكثر : موضع أسفل مكة على أميال ، كانت تقام فيها سوق للعرب . « 8 » شامة وطفيل : قيل هما جبلان بنواحي مكة ، وقيل هما عينان .